الشيخ علي المشكيني
129
رسائل قرآنى
أمّا البدن : فقد جعله مستقيم القامة بادي البشرة ، يأخذ بيده ويأكل بها ، متناسب الأعضاء ، متهيّئاً لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات ، فجميع تجهيزاته العضويّة ودقائق أحنائه ووصوله وأعضائه وأصوله قد خلقت على نحو يقوّي به على كلّ فعل من الأفعال المتنوّعة التي لا يقدر عليها غيره . وأمّا الروح والنفس : فأوصافها الكماليّة وصفاتها الحسنة ومزاياها الجميلة ، وكذا رذائلها وقبائح أوصافها وأخلاقها كثيرة جدّاً لا يحيط بها الإنسان علماً ولو بعد التعمّق والتفكّر والخوض والتأمّل ، وهي التي انطوى فيها العالم الأكبر ، وإذا عرفها الإنسان عرف ربّه ، وهي التي أقسم اللَّه بها وبمن سواها بأنّه قد ألهمها فجورها وتقويها ، وأنّه قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها ، وهي التي لها مراتب ودرجات : فمن نفس أمّارة بالسوء مائلة إلى الشهوات ، ومن نفس لوّامة توّابة إذا عرضتها الهفوات ، ومن نفس مطمئنّة قد خاطبها ربّها بالرجوع إليه راضية عن إحسان ربّها ونعمته وإنعامه وجنّته ، مرضيّة عنده بإيمانه وعقائده ومكارمه وأكارمه . وقوله تعالى : وَرَزَقَكُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ « 1 » أيرزق الإنسان ما يلتذّ ويتمتّع من مزايا الحياة والمطاعم والمشارب والملابس والمساكن وغيرها بما لا يتمتّع غيره ، فهو في جميع أنواع الانتفاع أحسن نيلًا ، وأكثر تمتّعاً ، وأكمل حظّاً ، وأتمّ نصيباً ، وأوسع خلاقاً من أبناء جنسه . ونظير الآية قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ « 2 » . التقويم : جعل الشيء ذا استواء واعتدال ، وجعله على ما ينبغي أن يكون عليه من كمال النظم وحسن التركيب . فقد جعل اللَّه الإنسان كذلك ، بدناً وجسماً وروحاً ونفساً كما عرفت ، ثمّ ردّه اللَّه تعالى بعد كبره إلى أدنى مرتبة من مزايا الحياة بحيث صار أعجز من الصبيان والعجزاء ؛ هذا بحسب الخلقة . ويمكن كون المراد ردّه بسبب طغيانه وعصيانه إلى مرتبة أخسّ من الحيوان ، وأرذل من كلّ ذي نفس ، فقرن الشيطان المطرود ، وهوى معه إلى دركات الجحيم .
--> ( 1 ) . الأنفال ( 8 ) : 26 . ( 2 ) . التين ( 95 ) : 4 - 5 .